الراغب الأصفهاني
859
تفسير الراغب الأصفهاني
قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 1 » ، السّرّاء والضرّاء إشارة إلى حالي السعة والضيق ، كاليسر والعسر ، وإلى حالي السرور والاغتمام ، وقد فسّر بهما « 2 » ، واللفظ يتناولهما ، فإن السراء يقابلها الغم ، والضراء يقابلها النفع ، فأخذ اللفظان المختلفا التقابل ليدل كل واحد على مقابله ، وهذا من دقائق إيجازات البلاغة « 3 » ، فمن نظر إلى معنى السراء قال السرور والغم ، ومن نظر إلى معنى الضراء قال النفع والضر ، ولما كان الناس في الإنفاق أربعة أضرب : ضرب لا ينفق في حالي السّعة والضيق ، وهو اللئيم على الإطلاق ، وضرب ينفق في حال الضيق دون السعة ، كما قال الشاعر : وكان غنيّ النفس في حال فقره * فصار فقيرا في الغنى خيفة الفقر « 4 »
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 134 . ( 2 ) انظر : تفسير جامع البيان ( 7 / 213 ، 214 ) ، وغريب القرآن للسجستاني ص ( 259 ، 312 ) ، والمفردات ص ( 504 ) ، والقاموس المحيط ص ( 521 ) . ( 3 ) يسمّى هذا الضرب من البلاغة بالاحتباك ، وهو من المحسنات البديعية المعنوية . قال الجرجاني : « الاحتباك وهو أن يجتمع في الكلام متقابلان ، ويحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ، كقوله : ( علفتها تبنا وماء باردا ) » . انظر : التعريفات ص ( 29 - 30 ) . ( 4 ) البيت في مجمع البلاغة للراغب ( 1 / 348 ) ولم ينسبه .